الذكاء الاصطناعي: هل نحن أمام فقاعة اقتصادية جديدة؟
في وقت يتسارع فيه تطور التكنولوجيا بشكل غير مسبوق، يطرح الخبراء تساؤلات حادة حول مستقبل سوق الذكاء الاصطناعي. فقد شهدت السنوات الأخيرة تدفقًا هائلًا من الاستثمارات في هذا المجال، مما يثير قلقًا متزايدًا من احتمال وجود فقاعة اقتصادية. ومع توقعات بأن تصل قيمة سوق الذكاء الاصطناعي إلى تريليون دولار بحلول عام 2027، يبدو أن الوقت قد حان لإعادة النظر في هذه الديناميكية المعقدة.
منذ ثلاث سنوات، بدأت كل من شركتي «أوبن إيه آي» و«إنفيديا» في جذب استثمارات ضخمة، مستفيدة من شراكاتها مع مزودي الخدمات السحابية وشركات ناشئة أخرى. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الشركات محط انتقادات، حيث يُخشى أن تؤدي الاستثمارات الضخمة إلى تضخيم السوق وربط مصائر الشركات ببعضها البعض بشكل غير صحي.
في نوفمبر الماضي، أعلنت «إنفيديا» عن استثمار ضخم بقيمة 100 مليار دولار في «أوبن إيه آي» على مدى خمس سنوات، مما سيساعد في إنشاء مركز بيانات ضخم. لكن هذا الاتفاق تعرض لانتقادات بسبب طبيعته الدائرية، حيث يتطلب من «أوبن إيه آي» الاعتماد بشكل متزايد على رقائق «إنفيديا». ورغم ذلك، أبرمت «أوبن إيه آي» صفقة أخرى مع «إيه إم دي» لتزويدها برقائق جديدة، مما يزيد من تعقيد المشهد.
بعد يوم واحد من إعلان الصفقة مع «إنفيديا»، كشفت «أوبن إيه آي» عن صفقة بقيمة 300 مليار دولار مع «أوراكل» لبناء مراكز بيانات في الولايات المتحدة. لكن هناك مخاوف من أن هذه الاستثمارات لن تحقق الأرباح المرجوة، خاصة أن «أوراكل» قد حققت هوامش ربح صغيرة في أعمالها السحابية.
تتزايد المخاوف بشأن التمويل الدائري، حيث تربط الصفقات بين «أوبن إيه آي» و«إنفيديا» بشكل متزايد. في هذا السياق، يخطط «إنفيديا» لاستثمار ملياري دولار في شركة «إكس إيه آي» التابعة لإيلون ماسك، في جولة تمويل قد تصل إلى 20 مليار دولار. هذه الجولات التمويلية قد تؤدي إلى تعزيز الاعتماد على رقائق «إنفيديا»، مما يزيد من تعقيد المشهد.
وفي ظل هذا الازدهار، يبرز قلق من أن أسعار أسهم شركات الذكاء الاصطناعي قد تكون مبالغ فيها. يتداول مؤشر «إس آند بي 500» عند مستويات لم يشهدها منذ فقاعة الدوت كوم، مما يعني أن أي تصحيح حاد في السوق قد يؤدي إلى خسائر واسعة في المحافظ الاستثمارية.
بينما تتجنب واشنطن التدخل في هذه الأنشطة، يلاحظ بعض المحللين أوجه شبه مع فقاعة الدوت كوم في أواخر التسعينيات، حيث كانت الصفقات تدور حول تضخيم النمو المتصور. صحيح أن لدى شركات الذكاء الاصطناعي منتجات ملموسة، إلا أن إنفاقها لا يزال يتجاوز إيراداتها. تشير الدراسات إلى أن 95% من المؤسسات التي استثمرت في مشاريع الذكاء الاصطناعي لم تحقق أي عائد ملموس.
تسعى «أوبن إيه آي» إلى الاعتماد على مزيج من رأس المال الاستثماري والديون، لكن التحديات المالية لا تزال قائمة. في النصف الأول من 2025، ضخ رأس المال المغامر 192.7 مليار دولار في الشركات الناشئة، مما يجعل هذا العام مميزًا في هذا المجال. ومع ذلك، فإن التركيز الكبير للإنفاق في هذا القطاع قد يجعل النمو الاقتصادي يعتمد على قدرة الشركات على تحقيق الأرباح.
بعيدًا عن الصفقات التقليدية، ظهرت صفقات هجينة بين الشركات الكبرى والناشئة، حيث تم دفع مبالغ كبيرة لتوظيف مؤسسي شركات ناشئة دون الاستحواذ الكامل عليها. هذه الديناميكية الجديدة تعكس تغيرات في سوق التقنية، وتهدف إلى تحقيق مكاسب دون مواجهة الاتهامات بالاحتكار.
في يناير 2025، أحدثت شركة «ديب سيك» الصينية ضجة في أسواق التكنولوجيا بعد تقديم نموذج ذكاء اصطناعي متطور بتكلفة أقل، مما أثار تساؤلات حول هيمنة الولايات المتحدة في هذا المجال. وقد أدى ذلك إلى انخفاض سهم «إنفيديا» بشكل كبير.
مع كل هذه الديناميكيات المتغيرة، يبقى السؤال: هل نحن أمام فقاعة اقتصادية جديدة في عالم الذكاء الاصطناعي، أم أن هذه الاستثمارات ستؤدي إلى تغييرات جذرية في طريقة عمل الشركات والمجتمعات؟


