صندوق النقد: حرب إيران تدفع الحكومات لخيارات اقتصادية صعبة
وصف المقال
تقرير صندوق النقد الدولي يحذر من أزمة نفطية عالمية أشد إيلاماً من “كوفيد-19” بسبب الحرب في الشرق الأوسط، مع توقعات بتجاوز الدين العام العالمي حاجز الـ100% من الناتج المحلي بحلول 2028، مما يدفع الحكومات لمواجهة خيارات تمويلية صعبة في ظل ارتفاع تكاليف الاقتراض.
كشف تقرير جديد لصندوق النقد الدولي أن العالم يقف على شفا أزمة طاقة ونفط عالمية قد تكون أكثر إيلاماً من جائحة كورونا، حيث تهدد الحرب في الشرق الأوسط بتعطيل خطوط الإمداد الحيوية، في وقت يتصاعد فيه الدين العام العالمي لمستويات قياسية غير مسبوقة في زمن السلم، مما يضع صناع السياسات أمام خيارات تمويلية صعبة للغاية.
أزمة طاقة وشيكة ودين عالمي قياسي
حذر تقرير “ديون متصاعدة وخيارات صعبة” من أن استهداف خطوط إنتاج وتصدير النفط في الشرق الأوسط قد يدفع العالم نحو أزمة طاقة حادة، يأتي هذا التحذير في وقت يصل فيه الدين العام العالمي إلى 93.9% من الناتج المحلي الإجمالي مع بداية العام الحالي، وتشير توقعات الصندوق إلى أن هذه النسبة ستتجاوز حاجز الـ100% بحلول عام 2028، وهي مستويات لم يشهدها الاقتصاد العالمي في أوقات السلم من قبل.
ضغوط هيكلية وتوترات جيوسياسية
يواجه صناع القرار ضغوطاً هيكلية طويلة الأجل تزيد من تعقيد المشهد، حيث تشمل هذه الضغوط شيخوخة السكان في عدد من الدول، وتحديات تغير المناخ، وتراجع المساعدات الدولية، وانخفاض القدرة على الاقتراض للدول منخفضة الدخل، بالإضافة إلى ذلك، تدفع التوترات الجيوسياسية المتصاعدة نحو زيادة الإنفاق الدفاعي، مما يشكل عبئاً إضافياً على الميزانيات العامة المثقلة أصلاً.
يضع هذا السياق الحكومات أمام معضلة حقيقية، حيث أصبحت مجبرة على الاختيار بين أولويات تمويلية متنافسة في ظل موارد محدودة وارتفاع غير مسبوق في تكلفة الاقتراض، وهو ما يخلق بيئة من المخاطر المالية العالية.
ارتفاع أسعار الفائدة يضيق الخيارات
أشار التقرير إلى أن الارتفاع المستمر في مؤشرات الدين العام وأسعار الفائدة يضغط بشدة على المالية العامة، لقد كانت الحكومات تعتمد في السابق على تأجيل الخيارات الصعبة من خلال الاقتراض بشروط ميسرة، لكن المشهد اختلف الآن مع وصول مستويات الدين إلى حدود غير مسبوقة وارتفاع تكلفة الاقتراض بشكل حاد، مما رفع من درجة المخاطر وألغى خيار “التأجيل” من على الطاولة.
قبل جائحة كوفيد-19، شهدت العديد من الاقتصادات ارتفاعاً مطرداً في الدين العام، حيث فضلت الحكومات زيادة الإنفاق والعجز وتأجيل الإصلاحات الهيكلية لتحفيز النمو وتمويل الرعاية للسكان المتقدمين في السن، مع تردد في رفع الضرائب، وقد ساعد في ذلك انخفاض أسعار الفائدة عالمياً، لكن الانهيار الاقتصادي الحاد في عام 2020، وهو الأسوأ منذ الكساد الكبير، دفع الحكومات للاقتراض بشكل واسع، حيث قفز دين الاقتصادات المتقدمة بعشرات النقاط المئوية من الناتج المحلي.
عالم بلا اقتراض رخيص
أوضح التقرير أنه بينما تجنبت سياسات الاقتراض الواسع آنذاك كوارث اقتصادية أعمق، فإن الدول تواجه اليوم واقعاً جديداً، حيث لم يعد الاقتراض رخيصاً، لقد اقترضت الأسواق الناشئة والدول منخفضة الدخل بكثافة أيضاً رغم قيودها، واستقرت مستويات الدين لاحقاً في بعض الحالات، لكن التحدي الحالي يتمثل في كيفية التعامل مع تركة هذا الدين في بيئة أسعار فائدة مرتفعة.
يخلص تحليل صندوق النقد الدولي إلى أن الخيار الوحيد المتبقي أمام الحكومات لتحقيق التوازن بين الأولويات المتنافسة، مثل الأمن والمناخ والرعاية الاجتماعية، هو الاعتماد على عنصر غالباً ما يتم إهماله ويعد نادراً في المشهد السياسي الحالي، وهو “الشفافية والوضوح” في المفاضلات المالية الصعبة وشرحها للمواطنين.
تأثير الأزمة على السياسات العالمية
من المتوقع أن تدفع هذه الأزمة المركبة – أزمة طاقة محتملة وعبء دين قياسي – نحو إعادة تعريف الأولويات الاقتصادية والمالية العالمية، قد تشهد الفترة المقبلة تحولاً في السياسات العامة نحو مزيد من التقشف المالي الانتقائي، وزيادة الضرائب المستهدفة، وإعادة هيكلة للإنفاق الحكومي مع إعطاء أولوية للقطاعات الأكثر ارتباطاً بالأمن القومي والاستقرار الاجتماعي، كما أن الدول المعتمدة على واردات الطاقة ستكون الأكثر عرضة للصدمات المزدوجة لارتفاع أسعار النفط وتكاليف خدمة الدين.
التعليقات