فرنسا تعلن الحرب على “المرض 2-2” في حملة وطنية طارئة
فرنسا في مفترق طرق: حربان وتراجع نفوذ في “الشرق القريب”
تواجه فرنسا أزمة نفوذ متعددة الأبعاد في منطقة الشرق الأوسط التي تعتبرها مجالها الحيوي التقليدي، حيث تجد نفسها عاجزة عن لعب دور مؤثر في الحرب الإيرانية-الأمريكية-الإسرائيلية، بينما تستنزفها الحرب في أوكرانيا وتتصاعد التحديات الداخلية، مما يهدد مصالحها التاريخية والاستراتيجية في ما تسميه “الشرق الأدنى”.
صراع الرؤى: الشرق الأدنى الفرنسي مقابل الشرق الأوسط الأمريكي
ظلت فرنسا تنظر إلى المنطقة على أنها مجال نفوذها القريب أو “الشرق الأدنى”، وهو ما يتعارض مع الرؤية الأمريكية التي تعتبر المنطقة “شرقًا أوسطيًا” مفتوحًا للهيمنة العالمية، وقد تجلى هذا التباعد بوضوح في رعاية فرنسا لمشروع “الشراكة المتوسطية” لمواجهة مشروع “الشرق الأوسط الكبير” الأمريكي، كما ظهر جليًا في معارضتها الشديدة لغزو العراق عام 2003، خوفًا من تزايد النفوذ الأمريكي على حساب دورها.
لطالما حاولت فرنسا تعويض تراجع دورها السياسي باستثمار تاريخها الثقافي والتعليمي في المنطقة، وعقد صفقات تسليح كبيرة مع دول مثل مصر ودول الخليج التي سعت لتنويع مصادر أسلحتها بعيدًا عن الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة.
إيران: تاريخ من العلاقات المعقدة وحاضر من العجز
تمتلك فرنسا وإيران تاريخًا طويلاً من العلاقات المشتركة في مجالات النفط والاستثمارات والتبادل التعليمي، حتى خلال عهد الجمهورية الإسلامية، حيث استقبلت الجامعات الفرنسية بعثات إيرانية، ولا ينسى المراقبون أن آية الله الخميني عاد إلى طهران قادمًا من باريس بعد نجاح الثورة عام 1979.
اليوم، ترفض فرنسا الحرب الدائرة ضد إيران وتعتبرها خارجة عن القانون الدولي، وتؤكد على ضرورة التعامل مع الملف النووي الإيراني عبر القنوات الدبلوماسية والشرعية الدولية، إلا أن قدرتها على التأثير تكاد تكون معدومة.
استنزاف أوكرانيا وهموم داخلية تعيق الحركة
تجد فرنسا نفسها منغمسة حتى أذنيها في الحرب الروسية-الأوكرانية التي تعتبرها أخطر تهديد لأوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، وقد عانت اقتصاديًا بشكل كبير جراء هذه الحرب، وهو ما يستنزف طاقاتها الدبلوماسية والمالية.
داخليًا، تواجه الحكومة الفرنسية بقيادة إيمانويل ماكرون تحديات جسيمة مع ارتفاع التضخم وأسعار الطاقة، وصعود تيارات اليمين واليسار المتطرف، وفي عامه الأخير قبل الانتخابات، يبدو ماكرون عاجزًا عن اتخاذ خطوات جريئة لمواجهة هذه الأزمات المتلاحقة.
سخرية ترامب وتوقعات بوصول اليمين المتطرف
لم تخفِ الإدارة الأمريكية السابقة استهزاءها من الموقف الفرنسي، حيث سخر الرئيس السابق دونالد ترامب من تصريحات ماكرون، وذكّره بأن الانتخابات الفرنسية المقبلة قد تجلب إلى الحكم “أقصى اليمين” وهو الخيار الذي يفضله ترامب، في إشارة إلى تآكل الدعم المحلي لماكرون وسياساته.
خلاصة: عصر العجز الفرنسي ومستقبل مجهول للنفوذ
تشير التحليلات إلى أن فرنسا تعيش لحظة ضعف تاريخية، حيث يحاصرها استنزاف الحرب في أوروبا وعجزها عن إيقاف حرب في مجالها الحيوي، وتحديات داخلية تهدد استقرارها السياسي، وهذا المزيج يدفع بدورها كقوة مؤثرة في الشرق الأوسط إلى حافة الهامش، مع توقعات بتراجع أكبر للنفوذ الفرنسي لمصلحة فاعلين إقليميين ودوليين آخرين، خاصة في ظل احتمالية وصول قوى سياسية جديدة إلى الحكم في باريس قد تعيد تعريف أولويات البلاد الخارجية بشكل جذري.
التعليقات