تفاهم واشنطن وطهران: هدنة مؤقتة أم استراحة محارب؟
خبير دولي: وقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران ليس نهاية الحرب بل تحول في طبيعة الصراع
حذر خبير في القانون الدولي من أن إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لا يعني انتهاء الحرب، بل يمثل بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيداً تقوم على إدارة الصراع عبر هدن مؤقتة، حيث أصبح التفاوض امتداداً للقتال بوسائل أخرى، في تحول جذري عن مفهومي الحرب والسلام التقليديين.
من الحرب للحسم إلى الحرب لإدارة التفاوض
أكد الدكتور صلاح عبدالعاطي، الباحث في القانون والعلاقات الدولية، أن المشهد الإقليمي دخل مرحلة جديدة، حيث تحولت الحرب من أداة للحسم إلى وسيلة لفرض شروط تفاوضية، بينما تحول التفاوض نفسه إلى امتداد للمواجهة العسكرية، مشيراً إلى أن الأطراف الرئيسية تستخدم مزيجاً من التصعيد المحدود والضغوط الاقتصادية والهدن المؤقتة ضمن دورة مستمرة من التصعيد والتهدئة.
مفارقة التفوق العسكري والعجز الاستراتيجي
أوضح عبدالعاطي أن المواجهات الأخيرة كشفت عن مفارقة استراتيجية، حيث لم يُترجم التفوق العسكري التقني الأمريكي والإسرائيلي إلى تحقيق أهداف كبرى مثل إسقاط النظام الإيراني أو إنهاء برنامجه النووي أو كسر قدراته الصاروخية، كما فشل في حسم جبهتي غزة ولبنان رغم التكلفة البشرية والمادية الباهظة، مما يعكس فجوة بين الطموحات السياسية الواسعة والقدرة الواقعية على تنفيذها.
يأتي هذا التحليل في وقت تشهد فيه المنطقة هدنة هشة بين واشنطن وطهران، وسط تصاعد التوقعات بانهيارها مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وتصاعد التوتر في مضيق هرمز، مما يعيد الأذهان إلى حلقات التصعيد السابقة التي لم تفضِ إلى تسوية دائمة.
الهدنة الحالية: إطار تفاوضي مفتوح بين مشروعين متعارضين
وصف الخبير الدولي الهدنة القائمة بأنها “إطار تفاوضي مفتوح” بين رؤيتين متعارضتين تماماً، حيث تركز المقترحات الإيرانية على وقف شامل للصراع ورفع العقوبات والاعتراف بدورها الإقليمي، بينما تتمسك واشنطن بشروط تتعلق بتفكيك البرنامج النووي وتقييد القدرات الصاروخية واحتواء النفوذ الإقليمي الإيراني، مما يجعل أية تسوية دائمة بعيدة المنال في المدى القريب.
لبنان: ساحة الاختبار الحاسمة للهدنة الهشة
أشار عبدالعاطي إلى أن لبنان يمثل ساحة اختبار حاسمة لمستقبل الهدنة الحالية، محذراً من أن استمرار التصعيد العسكري الإسرائيلي هناك قد يؤدي إلى ربط الجبهات المختلفة وإشعال مواجهة إقليمية واسعة النطاق، خاصة في ظل ما وصفه بـ”أزمة النصر المستحيل” التي تعاني منها إسرائيل، حيث تحقق مكاسب تكتيكية دون قدرة على تحويلها إلى إنجازات استراتيجية دائمة.
تحولات عميقة في طبيعة الصراع الإقليمي
لفت الخبير إلى عدة تحولات عميقة في الصراع، أولها عودة الجغرافيا لتلعب دوراً محورياً، حيث تحول مضيق هرمز إلى ورقة ضغط استراتيجية تؤثر مباشرة في أسواق الطاقة العالمية، وثانيها تحول الصراع من جبهات تقليدية إلى شبكة ممتدة من الساحات تشمل العسكرية والاقتصادية والسيبرانية، فيما يُعرف بمفهوم “وحدة الساحات”، وثالثها تآكل قواعد القانون الدولي وتراجع دور المؤسسات الدولية لصالح منطق “قانون القوة”.
باختصار، تحول الصراع في المنطقة من مواجهات عسكرية مباشرة تهدف للحسم إلى حالة دائمة من إدارة الأزمات عبر هدن مؤقتة وضغوط متعددة الوسائل، حيث أصبح التفاوض والقتال وجهين لعملة واحدة في غياب رغبة أو قدرة أي طرف على تحقيق نصر حاسم.
تأثيرات متوقعة على الاستقرار الإقليمي والدولي
يتوقع مراقبون أن يستمر هذا النمط الجديد من “الحرب لإدارة التفاوض” في تعميق عدم الاستقرار بالمنطقة، حيث يعني تحول الهدن إلى أدوات لإعادة التموضع أن فترات الهدوء ستكون قصيرة ومحفوفة بخطر الانفجار في أي لحظة، كما أن تراجع الهيمنة الأمريكية الأحادية وصعود فاعلين إقليميين قد يطيل أمد هذه الحالة الهجينة، مما يزيد تكلفة الصراع البشرية والاقتصادية على جميع الأطراف ويؤجل إمكانية الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، في مشهد يكرس منطق الصراع الدائم ذي الوتيرة المتغيرة.
التعليقات