تقرير صندوق النقد: الحروب تفرض خياراً صعباً بين التنمية والإنفاق العسكري
صندوق النقد يحذر: الإنفاق العسكري المتصاعد يضع الحكومات أمام مفاضلات صعبة
دفعت الصراعات المتكررة والتوترات الجيوسياسية دولاً حول العالم لإعادة تقييم أولوياتها الأمنية وزيادة ميزانياتها الدفاعية بشكل كبير، وهو توجه يضع صناع السياسات أمام معضلة حقيقية في مفاضلة الإنفاق بين التسلح وإعادة الإعمار والخدمات الأساسية للمواطنين، وفقاً لتقرير حديث لصندوق النقد الدولي ضمن تقرير آفاق الاقتصاد العالمي.
نمط تاريخي: زيادات تستمر لثلاث سنوات
كشف التقرير عن نمط تاريخي حيث شهدت 164 دولة زيادات كبيرة في الإنفاق الدفاعي بعد الحرب العالمية الثانية، وتميل هذه الزيادات للاستمرار نحو ثلاث سنوات في المتوسط، مما يرفع نسبة الإنفاق الدفاعي إلى إجمالي الناتج المحلي بنحو 2.7 نقطة مئوية، وهي نسبة تقترب من هدف حلف الناتو البالغ 2% لأعضائه بحلول عام 2035،
يأتي هذا التحذير في وقت تشهد فيه عدة مناطق في العالم نزاعات مسلحة أو توترات عسكرية متصاعدة، مما يدفع الحكومات إلى تحويل الموارد المالية بشكل متسارع نحو القطاع الأمني على حساب قطاعات حيوية أخرى.
تأثيرات اقتصادية متباينة على المدى القصير والطويل
أشار الصندوق إلى أن تكثيف الإنفاق الدفاعي يمثل صدمة طلب إيجابية قد تدعم الاستثمار والاستهلاك في القطاع الخاص، خاصة في الصناعات المرتبطة بالدفاع، مما قد يؤدي لزيادة الناتج والأسعار على المدى القصير، وهذا يتطلب تنسيقاً وثيقاً مع السياسة النقدية لاحتواء الضغوط التضخمية المحتملة،
ومع ذلك، توقع التقرير أن تكون الآثار الإجمالية لزيادة الإنفاق الدفاعي على الناتج الاقتصادي محدودة، حيث أن هذه الزيادات تنعكس غالباً بشكل مباشر على الناتج دون تأثيرات مضاعفة كبيرة، لكن هذه الآثار تختلف بشكل حاسم بناءً على طريقة تمويل الإنفاق وأساليب تخصيصه، وكذلك حجم الواردات من المعدات العسكرية،
التمويل والعجز: التحدي الأكبر
يظل تمويل هذه الزيادات الكبيرة في الإنفاق أحد أبرز التحديات، حيث يتم تمويل أغلبها عبر العجز المالي في المدى القصير، بينما تلعب الإيرادات الضريبية دوراً أكبر في الفترات اللاحقة، خاصة إذا تحول الإنفاق الدفاعي إلى سياسة مستدامة وليست مؤقتة،
يؤكد تحليل صندوق النقد أن الدول التي توجه جزءاً كبيراً من إنفاقها العسكري لاستيراد السلاح، خاصة الدول المستوردة للأسلحة، تشهد تراجعاً في المكاسب المحتملة للناتج كما تضعف أرصدتها الخارجية، في المقابل، يمكن أن يسهم توجيه الإنفاق نحو الاستثمار في المعدات والبنية التحتية المحلية، مع تحسين كفاءة المشتريات، في تعزيز القدرات الصناعية ودعم الإنتاجية وتقليل الاعتماد على الواردات على المدى الطويل،
مفاضلة صعبة في ظل موارد محدودة
يخلق هذا التوجه ضغوطاً هائلة على المالية العامة للدول المتضررة من النزاعات، حيث تجد نفسها في موقف صعب بين تلبية المتطلبات الأمنية الملحة والعاجلة، وبين الوفاء بالالتزامات تجاه مواطنيها في مجالات إعادة الإعمار وإعادة النازحين وتقديم الخدمات الأساسية التي دمرتها الحرب،
يحذر التقرير من أن الاستمرار في زيادة الإنفاق الدفاعي دون وجود خطة تمويل واضحة ومستدامة، وبدون مراعاة الآثار الجانبية على القطاعات المدنية، قد يؤدي إلى إضعاف الاقتصاد على المدى المتوسط ويزيد من الأعباء على المواطنين، مما قد يقوض الاستقرار الاجتماعي الذي تسعى الحكومات إلى تحقيقه في مرحلة ما بعد الصراع،
التعليقات