واشنطن تعتمد على أوروبا والناتو رغم تهديدات ترامب
الولايات المتحدة تحتاج حلفاءها الأوروبيين رغم تهديدات ترامب
كشفت صحيفة “إل باييس” الإسبانية أن الولايات المتحدة تعتمد بشكل أساسي على أوروبا وحلف الناتو لأمنها القومي، وذلك رغم التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي هدد فيها بالانسحاب من الحلف، وأشارت الصحيفة إلى أن القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في أوروبا تعد ركيزة استراتيجية لا غنى عنها لواشنطن في حماية مصالحها العالمية، خاصة في مواجهة التهديدات المشتركة.
تهديدات متكررة تثير القلق الأوروبي
تعددت في الأيام الأخيرة تهديدات ترامب بترك حلف الناتو، حيث جاءت ردًا على رفض الحلفاء الأوروبيين الانضمام إلى ما وصفته الصحيفة بالمغامرة العسكرية “سيئة التخطيط” في إيران، وفرضت عدة دول أوروبية بينها إسبانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا قيودًا على استخدام القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها أو منعت التحليق في مجالها الجوي تجاه الشرق الأوسط، مما أثار غضب الإدارة الأمريكية، وأعاد هذه التصريحات إحياء مخاوف قديمة تتعلق بميول ترامب نحو فكرة “امتلاك” مناطق استراتيجية مثل جرينلاند.
يأتي تصعيد الخطاب الأمريكي في وقت حساس، حيث لا تزال الذاكرة الأوروبية تحتفظ بأزمة جرينلاند التي هزت الحلف مطلع العام، ويعيد ذلك التأكيد على نمط من الضغط الذي مارسه ترامب سابقًا لدفع الحلفاء لزيادة الإنفاق الدفاعي، وهو ما تم الاتفاق عليه بشكل رسمي وإن كان بمشاعر مختلطة.
تحذيرات من تقويض وحدة الحلف
حذر مسؤولون أمنيون ودفاعيون أوروبيون رفيعو المستوى من أن التهديدات الأمريكية ووصف الحلف بأنه “مجرد حبر على ورق” يقوضان الوحدة والمصداقية اللازمتين لاستمرار الناتو في أداء مهمته الأساسية، ألا وهي الردع، ويشير محللون إلى أن تقييد الاستخدام الأوروبي للقواعد قد يعزز قناعة ترامب بضرورة سيطرة الولايات المتحدة المباشرة على مناطق إستراتيجية لضمان أمنها.
باختصار، رغم الخطاب العدائي، يبقى الانسحاب الأمريكي الفعلي من أوروبا غير وارد في المدى المنظور بسبب المصالح الاستراتيجية المتشابكة والضرر المتبادل الذي سيسببه مثل هذا القرار، فالوجود العسكري الأمريكي في عشرات القواعد الحيوية بأوروبا هو عماد القدرات اللوجستية والاستخباراتية لواشنطن على المسرح العالمي.
روسيا المستفيد الأكبر من التوترات
يتفق محللون وسياسيون على أن المستفيد الرئيسي من حالة التوتر والانقسام هذه داخل الناتو هي روسيا بقيادة فلاديمير بوتين، والتي يُجمع على اعتبارها التهديد الرئيسي لأمن أوروبا، وفي الوقت نفسه، تترقب الصين، التي تسعى بتكتم لتوسيع نفوذها الجيوسياسي، هذه التطورات باهتمام، حيث قد تخلق الفرص لملء أي فراغ استراتيجي محتمل.
استمرار الاعتماد المتبادل رغم الخلافات
يسود إدراك مشترك بين القادة على جانبي المحيط الأطلسي بأن العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا هي علاقة اعتماد متبادل، ويقول دانيال كوتشيس، الباحث البارز في مركز أوروبا وأوراسيا: “الانسحاب من أوروبا سيكون ضارًا للولايات المتحدة بقدر ضرره لأوروبا”، وهذا المنطق الاستراتيجي هو ما يضمن، وفقًا للتحليل، استمرار التحالف تحت السطح رغم العواصف السياسية العلنية، حيث تدرك الإدارة الأمريكية الحالية، بغض النظر عن التصريحات، القيمة الحيوية للحلف والوجود العسكري في أوروبا لمصالحها.
رغم الخطاب الأمريكي الصادم، يبدو أن المصالح الاستراتيجية العميقة والتهديدات المشتركة، خاصة من روسيا، ستجبر واشنطن وحلفاءها على تجاوز الخلافات المؤقتة، فالانسحاب سيفقد الولايات المتحدة نقاط ارتكاز حيوية ويضعف قدرتها على الاستجابة للأزمات الدولية، بينما يترك أوروبا أكثر عرضة في وجه تهديدات يعترف الناتو نفسه بها.
التعليقات