
دعوى قضائية من راهبات أمريكيات ضد قانون “الهوية الجندرية” في دور الرعاية
رفعت راهبات دومينيكان في نيويورك دعوى قضائية ضد الولاية، اعتراضاً على قانون يلزم دور الرعاية بتأكيد الهوية الجندرية للمقيمين، وهو ما تراه الراهبات انتهاكاً صريحاً لعقيدتهن الدينية، وتحدياً مباشراً لطريقة عملهن في رعاية مرضى السرطان الفقراء، مما يهدد استمرار خدمتهن الإنسانية التي تمتد لعقود.
صدام بين القانون الديني والقانون المدني
يأتي الصدام القانوني من رفض “منزل روزاري هيل”، الذي تديره الراهبات، تطبيق قانون ولاية نيويورك الصادر عام 2026، والذي يفرض على دور الرعاية احترام الهوية الجندرية للمقيمين بغض النظر عن جنسهم البيولوجي، ويتضمن ذلك استخدام الضمائر التي يختارونها، وتوزيع الغرف، واختيار مرافق الحمامات بناءً على الهوية الجندرية المعلنة وليس الجنس عند الولادة، وتعتبر الراهبات أن هذا الإجراء قد يجبرهن عملياً على إسكان رجال بيولوجيين مع نساء في نفس الغرف، وهو ما يتعارض مع تعاليم الكنيسة الكاثوليكية ومعتقداتهن الشخصية.
يذكر أن هذا النزاع ليس الأول من نوعه، ولكنه يكتسب زخماً في ظل سلسلة من القضايا المماثلة التي تضع المؤسسات الدينية في مواجهة مع تشريعات الحقوق المدنية الحديثة، خاصة تلك المتعلقة بمجتمع الميم، حيث تحاول العديد من الولايات الأمريكية تحقيق توازن صعب بين حرية الاعتقاد ومنع التمييز.
طلب إعفاء رفض وتهديد بعقوبات مشددة
وفقاً للدعوى، تقدمت إدارة المنشأة بطلب رسمي للحصول على إعفاء من تطبيق القانون، على غرار إعفاءات مُنحت لمؤسسات دينية أخرى، لكنها لم تتلق أي رد من السلطات، وفي المقابل، تواجه تهديدات بتطبيق عقوبات مشددة في حال عدم الامتثال، تتراوح بين فرض غرامات مالية كبيرة، وسحب ترخيص التشغيل، وحتى مواجهة عقوبات جنائية قد تصل إلى الحبس، مما يضع مستقبل المنشأة الخيرية بأكملها على المحك.
تأثير مباشر على خدمة مرضى السرطان الفقراء
التهديد الأكبر يتجاوز الجانب القانوني أو المالي ليصل إلى صميم العمل الإنساني، فـ”منزل روزاري هيل” يقدم رعاية مجانية أو منخفضة التكلفة لمرضى السرطان من الفقراء والمهمشين، وإغلاقه بسبب هذه الدعوى سيفقد هذه الفئة الهشة ملاذاً حيوياً يوفر لهم الرعاية في أوقاتهم الأصعب، ويؤكد القائمون على العمل أن الصراع ليس مع الأفراد، بل مع إلزامهم بممارسات تخالف صميم إيمانهم، مما يضعهم أمام خيارين أحلاهما مر: التخلي عن معتقداتهم أو التوقف عن خدمة المحتاجين.
رد السلطات وحجج الطرفين
من جانبها، تؤكد وزارة الصحة في ولاية نيويورك التزامها الحازم بتطبيق القوانين التي تحظر التمييز بأشكاله كافة، بما في ذلك التمييز على أساس الهوية الجندرية أو التعبير عنها، وترى أن القانون يهدف إلى ضمان كرامة وسلامة جميع المقيمين في مرافق الرعاية، بمن فيهم أفراد مجتمع الميم، بينما تصر الراهبات على أن القانون ينتهك حقوقهن الدستورية في حرية ممارسة الدين، معتبرات أن إجبارهن على تبني مفاهيم جندرية محددة هو إكراه على قبول أيديولوجيا تتعارض مع عقيدتهن.
باختصار، تقف راهبات كاثوليكيات أمام خيار مستحيل: إما انتهاك معتقداتهن الدينية العميقة لإسكان أفراد من الجنس الآخر معاً، أو مواجهة إغلاق ملجأهم الذي يقدم الرعاية لمرضى السرطان الأكثر فقراً واحتياجاً.
نتائج متوقعة وتداعيات أوسع على المستوى الوطني
نتيجة هذه الدعوى قد تحدد سابقة قانونية بالغة الأهمية، فإذا حكم لصالح الراهبات، فقد يفتح الباب أمام موجة من طلبات الإعفاءات الدينية من قوانين مكافحة التمييز في مختلف الولايات، أما إذا حكم لصالح الولاية، فسيعزز من سلطة الدولة في فرض الامتثال للتشريعات المدنية حتى على حساب الممارسات الدينية في المجال العام، وهذا الصراع القانوني والفلسفي، بين حرية الدين وضمان المساواة، يسلط الضوء على أحد أبرز خطوط الصدع في المجتمع الأمريكي اليوم، ونتيجته ستؤثر لا على دار الرعاية الصغيرة فحسب، بل على مستقبل التفاعل بين المؤسسات الدينية والتشريعات المدنية في جميع أنحاء البلاد.



